Avertir le modérateur

30/12/2007

الاتحاد الجمركي العربي: خطوة نحو التكامل الإقليمي

الاتحاد الجمركي العربي: خطوة نحو التكامل الإقليمي

 

مجلة المستشار الدولية - تونس ـ بقلم: د. عبد الفتاح العموص أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة صفاقس

 

 

في الأول من جانفي سنة 2005 قامت منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والتي بلغ عدد أعضائها حتى اليوم 17 بلدا عربيا. وقد انضمت الجزائر الى اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين البلدان العربية ومن ثم ستصبح البلد الـ18 كما تتمتع السودان واليمن بالمزايا التي تعطي للبلدان العربية الأقل نموا بالمنطقة الحرة.


الاتحاد الجمركي العربي: خطوة نحو التكامل الإقليمي

 

مجلة المستشار الدولية - تونس ـ بقلم: د. عبد الفتاح العموص أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة صفاقس

 

 

في الأول من جانفي سنة 2005 قامت منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والتي بلغ عدد أعضائها حتى اليوم 17 بلدا عربيا. وقد انضمت الجزائر الى اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين البلدان العربية ومن ثم ستصبح البلد الـ18 كما تتمتع السودان واليمن بالمزايا التي تعطي للبلدان العربية الأقل نموا بالمنطقة الحرة. وبالنسبة لتحرير تجارة الخدمات فقد عقدت بعض جولات من المفاوضات الثنائية وشاركت فيها بعض البلدان العربية وتجري الآن مفاوضات ثنائية وجماعية لتقديم التزامات بالتحرير. والمنتجات الزراعية لها اطار منفصل وفقا للبرنامج التنفيذي في حين هناك بعض الاستثناءات الضمنية في بعض المنتجات الصناعية.

 

والآن ونحن على أعتاب التحرير الواسع لتجارة الخدمات خلال سنة 2008 ثم مرحلة الاتحاد الجمركي التي وصلتها بلدان مجلس التعاون الخليجي، سيتم توحيد الرسوم الجمركية تجاه العالم الخارجي ووضع حدين أعلى للتعريفة الجمركية للبلدان الأعضاء في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. فماذا عن أهداف ومستقبل التعاون التجاري العربي؟.

 

I ـ الأوضاع الحالية:

 

إنّ الحجم الاقتصادي للمنطقة العربية محدود ويمثل مجموع الناتج المحلي الاجمالي للبلدان العربية أقل قليلا من مجموع الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا، ويوجد بلد عربي واحد وهو مصر أكثر من 72 مليون نسمة، أما باقي أسواق البلدان العربية باستثناء المملكة العربية السعودية فهي محدودة. وتداعيات صغر الكثير من أسواق البلدان العربية يؤثر على تكاليف التي تتحملها التجارة والاستثمار نتيجة اختلاف القوانين بين البلدان العربية وتعتبر أعلى بكثير من تلك التي يتحملها الاتحاد الأوروبي، وكذلك يعتبر الحجم المحدود لأسواق البلدان العربية عاملا حاسما في تفسير تواضع الجهود التي تمت في الفترة الماضية.

 

وهناك خصائص عديدة للبلدان العربية تمثل جوانب سلبية في جهود الاندماج العربي، فأسواق البلدان العربية ومنتجاتها وهياكلها الاقتصادية متشابهة وتنافس مع بعضها في نفس أسواق التصدير.

 

واجمالا تشير البيانات الى أن المنطقة العربية مجزأة الى اقتصادات صغيرة نسبيا تشكل معا كتلة متوسطة الحجم تتنافس على أسواق بعينها مما يحد من حوافز التجارة. وليس من المحتمل أن تتغلب البلدان العربية على الاختلافات الواسعة في الدخل التي تترتب عليها بعض الآثار السلبية في مجالي التجارة والاستثمار.

 

وعلى جانب الآخر شهد العقد الماضي قدرا يعتد به من الاصلاحات في اتجاه تحرير التجارة على مستوى البلد القطري منفرد بجانب بعض جهود اقليمية وجهود متعددة الأطراف. فهناك 18 بلدا عربيا له عضوية كاملة في منظمة التجارة العالمية أو في سبيله للانضمام اليها، من بينها 7 بلدان عربية موقعة على اتفاقات مشاركة مع الاتحاد الأوروبي من بينها تونس أولى هذه البلدان. كما أن هناك بعض بلدان عربية وقعت اتفاقات مناطق حرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبعضا آخر في طريقه للتوقيع، وذلك بجانب بعض الاتفاقات الثنائية العربية، فما هو أثر هذا التداخل على حركة التجارة العربية مستقبلا؟.

 

1 ـ التداخل بين المحلي والاقليمي والدولي:

 

فهل هذا التداخل بين المحلي والاقليمي والدولي سيفسر عن تقوية الدوافع للتكامل العربي وتمكينها من الاستفادة من تراكم قواعد المنشأ فضلا عن التغلب على ظاهرة المركز والأطراف؟ كما اشتملت عمليات الاصلاح على أدوار جديدة للحكومات والقطاع الخاص على حد سواء. ومن المتوقع أن تساهم زيادة مشاركة القطاع الخاص في الأنشطة الاقتصادية في توسيع النطاق الاقليمي من جانب آخر.

 

وفضلا عما سبق فقد أسفرت التغيرات الحديثة في بعض البلدان العربية عن توقعات ايجابية بشأن الاسراع بعملية الاصلاح الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك يظل هناك الكثير مما ينبغي عمله من أجل تحقيق الاندماج الاقتصادي العربي خاصة وأن هناك اليوم قنوات متعددة للتعاون الاقليمي، وهو ما يمثل أحد القواعد الاساسية التي تحكم الاطار الدولي الراهن للعلاقات الدولية.

 

ومن ثم فإنّ التكامل الاقليمي اصبح اختيارا حتميا باعتباره وسيلة لعملية طويلة الأجل تتطلب عملا فوريا ومستمرا.

 

2 ـ اتفاق أغادير:

 

في شهر ماي سنة 2001 تم اطلاق مبادرة بين البلدان العربية المتوسطية التي تمثل جزءا من الاتفاقيات المشاركة الأورومتوسطية لانشاء منطقة تجارة حرة فقد وقعت كل من مصر وتونس والمغرب والأردن على هذا الاتفاق ـ ومن المتوقع أن تنضم اليها لبنان وسوريا والجزائر ـ وسمي باتفاق أغادير وتغطي الاتفاقية المنتجات الصناعية، وكان من المفترض ان يبدأ تنفيذها في سنة 2003 بخفض التعريفة الجمركية بنسبة ?60 ثم الى ?80 في جانفي 2004 ثم الى ?90 في جانفي 2005 لتصل هذه التخفيضات الى ?100 في جانفي 2006. لكن الاتفاق لا يغطي التجارة في الخدمات. أما بالنسبة لقواعد المنشأ فقد اتفق على تبني القواعد الأوروبية حتى يتم الاستفادة من مبدأ تراكمة القيمة المضاعفة ثنائيا أو قطريا بين أعضاء الاتفاقية وذلك بغية دخول منتجات البلدان الأعضاء الى الاتحاد الأوروبي دون رسوم جمركية.

 

وعلى الرغم من أننا الآن في سنة 2007 الا أن اتفاق أغادير لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن. ولكن يشفع لهذا الأمر أن اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية قد تجاوزته عمليا بمعنى انه تم الغاء التعريفة الجمركية بين أعضاء اتفاق أغادير تحت مظلة إلغاء الرسوم الجمركية بين البلدان العربية في اطار منطقة التجارة الحرة العربية.

 

ويجب أن نلاحظ أنه من المتوقع في هذا الاطار أن تخسر الصناعات التي تتمتع بنسب مرتفعة من الحماية (أكثر من ?25) ولا تتمكن من التصدير، وهذا ما تعالجه الاتفاقات الاقليمية الأورومتوسطية وفقا لبرامج تحديث الصناعة التي يمولها الاتحاد الأوروبي بجانب بند المساعدات والمنح المقدمة للبلدان الموقعة على اتفاقيات للمشاركة في الاتحاد الأوروبي وقروض بنك الاستثمار الأوروبي.

 

3 ـ اصلاحات اقتصادية مطلوبة:

 

ومن جهة أخرى لا بد من معالجة الاثار المالية السيئة الناجمة عن تقليص الرسوم الجمركية، اذ تعتمد البلدان العربية غير الخليجية على هذه الرسوم في ايراداتها العامة وتمويل نفقاتها، فعلى الرغم من الاصلاحات الاقتصادية الهادفة الى تحرير التجارة الخارجية لا تزال حصيلة الرسوم الجمركية تشكل مصدرا اساسيا من مصادر الايرادات العامة في مصر والأردن وتونس والمغرب. ولما كانت ميزانيات هذه البلدان تعاني من عجز مزمن فإنّ أي تقليص لهذه الرسوم يقود الى ارتفاع العجز المالي مما يستوجب تغطيته بالقروض الداخلية والخارجية فتتراكم الديون أو بالصادرات النقدية فترتفع الأسعار أو بهذين الأسلوبين معا.

 

يتعين عدم المبالغة في حجم هذه الآثار السيئة نظرا لضعف المبادلات البينية، لكن خطر تفاقم العجز قائم بسبب التحرير التجاري، وتختلف درجة الخطر حسب أهمية الواردات البينية، فكلما ارتفعت حصة هذه الأخيرة هبطت الحصيلة الضربية وعلى هذا الأساس فإنّ تحسين العلاقات الاقتصادية العربية يجب أن يعوض الخسارة المالية عن طريق رفع مستويات الاستثمارات والمبادلات البينية.

 

وتلعب السياسة النقدية دورا كبيرا في الأنشطة الاقتصادية لاسيما التجارة الخارجية والعمليات الجارية الأخرى، فكلما تحررت العملة نمت التجارة الخارجية والعكس بالعكس. وهذه العلاقة من أهم وأخطر العلاقات التي تواجه السياسات الاقتصادية. ويرتكز تحرير العملة على ثلاثة مبادئ أقرتها المادة الثامنة من اتفاقية صندوق النقد الدولي: أولها تجنب فرض القيود على مدفوعات المعاملات الجارية لأن هذه القيود تجعل العملة غير قابلة للتحويل وتعرقل بالتالي اندماج البلد في الاقتصاد العالمي، كما تجعل القطاع الخاص تحت رحمة التدخل الحكومي، ناهيك عن أن رؤوس الأموال الأجنبية التي تحتاجها البلدان العربية تعتبر العملة غير القابلة للتحويل عائقا أمام الاستثمار. ويتضمن المبدأ الثاني عدم اتباع نظام تعدد أسعار الصرف، اذ أن توحيد سعر الصرف يزيد الثقة بالعملة ويقضي على فوضى التعدد ويقلص تدخل الدولة في المبادلات التجارية وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية اليومية. أما المبدأ الثالث فيتمثل في تحرير العمليات الرأسمالية من جميع القيود وفي مقدمتها عدم المقدرة على استبدال عملة أخرى بالعملة المحلية. ويمكن اعتبار بلدان مجلس التعاون الخليجي ولبنان والأردن البلدان الوحيدة في العالم العربي التي لا تفرض أي قيد من القيود المذكورة أعلاه.

 

ولا يمكن تنمية التجارة العربية البيئية الا اذا تمت معالجة مشكلة ضعف هياكل الانتاج. فمن ناحية ينتج العالم العربي موادا لا يحتاجها بكاملها في أسواقه المحلية. وأوضح مثال على ذلك النفط حيث لا يزيد الاستهلاك على ?17 من الإنتاج. ويحتاج العالم العربي لأنواع عديدة من السلع لا تنتجها أجهزته بصورة كافية على المستويين الكمي والنوعي. ففي الميدان الزراعي تبلغ قيمة الفجوة أكثر من 19 مليار دولار سنويا وتنصب على منتجات لا تقبل الاستغناء أو الاستعاضة كالحبوب. أما المواد المصنعة فهي تستحوذ على ?67 من مجموع الواردات العربية وهي تقريبا النسبة نفسها التي تحتلها المنتجات الطاقية في الصادرات. ولما كانت المواد المصنعة تنتج في الولايات المتحدة وأوروبا وبعض البلدان الآسيوية، ولما كانت هذه المجموعات أكبر سوق لتصريف المنتجات الطاقية فإنّ الجزء الأكبر من التجارة العربية يجري معها وبالتالي تنتفي الحاجة الى المبادلات البينية فتصبح ضعيفة. وعلى هذا الأساس يلعب تحرير التجارة دورا ثانويا قياسيا بدرجة مرونة هياكل الانتاج. فإن استمر وضع الانتاج العربي على هذا النحو فلن تؤثر المنطقة الحرة في التجارة البينية تأثيرا يستحق الذكر. لذا فإنّه ينبغي العمل على تنويع القاعدة الانتاجية وتحسين كميات الانتاج ورفع الكفاءة النوعية للمنتجات. وما يثبت صحة هذا التحليل النتائج الايجابية التي حصلت عليها مجموعة المركوسور، حيث ارتفعت حصة التجارة البينية لبلدان امريكا اللاتينية لأنها صناعية وزراعية في آن واحد ولأن الجزء الأكبر من تجارتها ينصب على سلع تنتج محليا. وينطبق هذا التحليل على مجموعة آسيان. وفي الحالتين أسهمت منطقة التبادل الحر دون أن تكون العامل الوحيد في تنمية التجارة البينية.

 

أصبح من الضروري التنسيق بين البلدان العربية بشأن التخصص في الإنتاج حسب الأحوال الاقتصادية لكل دولة اذ إن وجود منطقة حرة مع انتاج سلع قليلة ومتشابهة في عدة دول عربية يقود الى منافسة حادة دون الحصول على نتائج ايجابية. لا شك في أن المنافسة ضرورية للمنتجين والمستهلكين على حد سواء ولكن الاندماج التجاري العربي وهو الهدف من المنطقة الحرة لا يتحقق الا عبر التخصص المنظم الذي يكفل تحسين المقدرة الإنتاجية. هذا الأسلوب يشجع الاستثمارات العربية البينية ويوفر المناخ المناسب للاستثمارات الاجنبية ويطور القدرة التنافسية للسلع العربية المصدرة الى خارج المنطقة، كما يسمح بالاستخدام الأمثل للعمالة والأطر العلمية الفنية. عندئذ تنمو الصناعة والزراعة وتزدهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

 

II ـ الأوضاع المترقبة:

 

1 ـ تجارة الخدمات:

 

نظرا الى أن الخدمات تعتبر مدخلا رئيسيا في العملية الانتاجية وكذلك أنشطة التوزيع والبيع، فإنّ تحرير الخدمات يمكن أن يولد مكاسب مهمة بفضل تكاليف إنتاج اكثر انخفاضا بالنسبة لقطاعي الصناعات التحويلية والزراعة. وينبغي أن تعمل التخفيضات في تلك التكاليف على تسهيل تحرير التجارة عن طريق تعزيز القدرة التنافسية للصناعة والزراعة. وبالاضافة الى ذلك فإنّ اصلاحات قطاع الخدمات ستزيد الاستثمارات في الصناعات المحررة، ومن شأن ذلك أن يولد فرصا للتوظف للعمال المهرة وغير المهرة الذين تستخدمهم الحكومة أو الصناعات المنافسة للواردات، أو العمال المتعطلين عن العمل. وفي حين أن تفكيك القيود التنظيمية على الدخول الى الأسواق سيفسر حتما عن إعادة هيكلة للصناعة المحلية، فإنّ التداعيات بعيدة الأثر لإصلاح قطاع الخدمات بالنسبة لحجم أعمال القطاعات والعمالة الكلية أقل منها بالنسبة لإلغاء الحواجز التجارية لأن الخدمات كثيرا ما تنزع الى أن تستهلك حيث تنتج.

 

ويمكن التغلب على المعوقات السياسية لتحرير التجارة اذا ما استهدفت الاصلاحات قطاع الخدمات ويمكن لمثل هذه الاصلاحات أن تخفض ما يتصل بالتجارة من تكاليف النقل والإمداد والتموين والمعاملات، وأن تقلل تكلفة المدخلات الرئيسية مثل التمويل والاتصالات السلكية واللاسلكية والتسويق والتوزيع والخدمات الشبيهة، وأن تزيد تنوعها. كما أن والاصلاحات المحابية للمنافسة التي تسهل دخول الشركات الجديدة، تعمل على توليد فرص التوظف للعمال المهرة وغير المهرة الذين تستخدمهم الحكومة أو الجهات المصنعة للسلع المنافسة للواردات في الوقت الراهن، أو المتعطلين منهم عن العمل. وفي حقيقة الأمر فإنّ أحد الشروط السياسية المسبقة لتقليل حجم القطاع العام أن تبرز مثل هذه الفرص البديلة للتشغيل. فيتعين معالجة مخاوف فقد الوظائف أولا من خلال انشاء شبكات امان ومساعدات تصحيحية انتقالية الا ان الأهم اكثر من غيره أن تخلق فرص التشغيل في أماكن أخرى في الاقتصاد الاقليمي في أعقاب الاصلاح. ومن الفوائد الرئيسية لاستراتيجية متظافرة صوب اصلاح قطاع الخدمات أو الصناعات المنتجة للسلع ـ ولا شك أن ذلك سيساهم في حل مشكلة البطالة في البلدان العربية، باعتبارها قضية أمن قومي حيث تحتاج هذه البلدان الى خلق 100 مليون فرصة عمل في الفترة المقبلة وهي مشكلة يعجز عن حلها كل بلد عربي منفرد.

 

ومن القضايا الجوهرية ذلك المبرر المنطقي للسعي الى تحرير الخدمات والتجارة والاستثمار في سياق اقليمي فيمكن السعي الى الكثير مما تظهر الحاجة اليه من خلال اجراءات احادية الجانب.

 

والسؤال الرئيسي هنا هو هل من الممكن بجهد عربي قائم على الإندماج يبذل لتحرير الخدمات ان يساعد في التغلب على المعوقات السياسية والاقتصادية الوطنية للاصلاح؟ وكيف يتحقق ذلك؟.

 

لا بد لأي نهج اقليمي ازاء اصلاحات قطاع الخدمات أن يعترف بحقيقة ان الكثير من البلدان العربية وقعت اتفاقات مع الجماعات الأوروبية وأن الكثير منها ايضا دخل في مفاوضات بشأن التجارة في السلع والخدمات في منطقة التجارة العالمية. وتتضمن جميع الاتفاقات الأوروبية ـ المتوسطة احكاما تدعو الى وضع ضوابط تنظيمية للاستثمار والتجارة في الخدمات. كما أنها تحتوي على العديد من الأحكام التي تطالب الجماعة الأوروبية بالتعاون على توفير المساعدة الفنية والمالية في المجالات التنظيمية المتصلة بالتجارة. ويمكن أخذ هذه الاتفاقات في الاعتبار بل وينبغي أخذها عند تصميم أي استراتيجية اندماج عربية.

 

وفي الحقيقة فإنّه في حين انصب الاختيار السياسي والتركيز على خيارات التعاون العربي، فإنّه يمكن مواصلة تنفيذ استراتيجية مماثلة في سياق الاتفاقات المبرمة مع اقتصادات الدخل المرتفع الرئيسية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الامريكية، فمن الممكن أن تقضي اتفاقات الاندماج العميق مع هؤلاء الشركاء الى فوائد أكبر من خلال آثار المصداقية المعززة وتحويلات المساعدات المالية والفنية التي يحتمل أن تكون مرتبطة بها.

 

2 ـ الاطار الاقليمي الاقتصادي المطلوب:

 

وهناك تسلسل لا بد أن تتبعه التكتلات الاقتصادية المزمع انشاؤها تماما كما حصل في أوروبا. فالمرحلة الأولى هي انشاء منطقة التجارة الحرة حيث تتفق البلدان الأعضاء على إلغاء العوائق الجمركية في ما بينها خلال فترة زمنية محددة، لكن يحتفظ كل بلد بالحرية الكاملة بالنسبة للتبادل التجاري مع البلدان التي ليست أعضاء في الاتفاقية.

 

والمرحلة الثانية هي قيام اتحاد جمركي، وهو عبارة عن اتفاق الغرض منه ازالة الحصص والتعريفات الجمركية كافة على تبادل السلع والخدمات بين البلدان الأعضاء في هذا الاتحاد، واتباع سياسة جمركية موحدة بالنسبة للبلدان من خارج الاتحاد، وهو ما اتفقت عليه بلدان مجلس التعاون الخليجي، من أنه اعتبارا من سنة 2005 سيكون هناك هيكل جمركي موحد لكافة الواردات من خارج المجلس يراوح بين ?5.5 و?7.5.

 

والمرحلة الثالثة هي السوق المشتركة، وهنا اضافة الى حرية إنسياب السلع والخدمات بين البلدان الأعضاء في السوق يسمح ايضا بحرية التنقل لعوامل الانتاج من رأس المال والأيدي العاملة والتقنية وغيرها.

 

والمرحلة الاخيرة هي الوحدة الاقتصادية وهي التي توصلت اليها البلدان الأوروبية حيث يكون هناك تكامل اقتصادي يشمل توحيد نهج السياسات المالية والنقدية بين الدول الأعضاء، وإنشاء مصرف مركزي موحد وقيام عملة موحدة وتوحيد الأنظمة والتشريعات الخاصة بالعلاقات والتبادل التجاري. وتم اقرار اتفاقية التجارة الحرة العربية في نوفمبر 1997 وبوشر تنفيذها ابتداء من عام 1998 بحيث يتم خفض تدريجي للتعريفة الجمركية على السلع المتبادلة بين البلدان الأعضاء بنسبة 10 في المائة سنويا على أن تلغى الرسوم الجمركية كافة مع نهاية سنة 2007. غير أن 17 بلدا عربيا فقط وقع على هذه الاتفاقية، كما أن العديد من البلدان الأعضاء أخذت في المرحلة الأولى تطلب استثناءات لسلعها من شروط منطقة التجارة الحرة العربية، بحيث اصبح استثناء السلع هو القاعدة وتحرير التجارة البينية هو الاستثناء ولكن الأمر تحسن الآن بالغاء هذه الاستثناءات صراحة.

 

ولا يزال هناك العديد من الاجراءات الحمائية غير الجمركية مثل رخص الاستيراد والتي تطلق عليها مسميات أخرى مثل استمارة أو شهادة المنشأ. وهناك ايضا رسوم الترخيص للاستراد وإغلاق الحدود أمام تدفقات السلع من دون سابق إنذار وهي أمور يتم معالجتها في اطار المجلس الاقتصادي والاجتماعي بحيث تتحول هذه الرسوم الى رسوم جمركية للخفض التدريجي.

 

3 ـ نحو اتحاد جمركي عربي:

 

لا تتعارض بنود اتفاقية منظمة التجارة العالمية مع تشكيل التكتلات الاقتصادية، كما أنها قد تتعارض مع اتفاقيات التبادل التجاري كمنطقة التجارة الحرة العربية وفقا لنص المادة (24) من الاتفاقية. ومع دخول معظم البلدان العربية الى منظمة التجارة العالمية، ستجد هذه البلدان أن ازالة الرسوم الجمركية فيما بينها وفرضها على البلدان الأخرى الأعضاء في منظمة التجارة الدولية يتعارض مع مبدأ معاملة كل البلدان الأعضاء في المنظمة معاملة متساوية من دون ان تكون هناك أي تفرقة بين عضو وآخر.. ومن هنا نجد ضرورة الانتقال السريع من اتفاقية التجارة الحرة الى المرحلة الثانية من التعاون الاقليمي، وهي انشاء اتحاد جمركي بين البلدان العربية كخطوة ضرورية لا تتعارض مع شروط منظمة التجارة العالمية. كما ان وجود مثل هذا التجمع الاقليمي والتحول نحو سوق عربية مشتركة لاحقا، سيشجع على قيام صناعات تعمد على التصدير الى السوق الاقليمية مستفيدة من اقتصاديات الحجم بدلا من السوق المحلية الصغيرة كما أن هذه الصناعات قد تستطيع الحصول على الدعم ما دامت تصدر فقط الى أسواق التكتل الاقتصادي الموحد. كذلك سيشجع الاستثمار الاجنبي للدخول في التكتل الاقتصادي الأوسع سوقا، وستصبح المفاوضات مع التكتلات الاقتصادية الأخرى أسهل.

 

ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى رغم أهميتها لا تمنح في حد ذاتها باعتبارها مرحلة أي ثقل دولي للعالم العربي، لأنها تعبر فقط عن رغبة أعضائها في زيادة التبادل البيني، في حين يعكس الاتحاد الجمركي ارادة أعضائها في مواجهة المبادلات الخارجية بموقف موحد. ويلاحظ ان منظمة التجارة العالمية لا تقبل عضوية التكتلات الا اذا كانت تعبر عن سياسات اقتصادية ومالية موحدة فعلى الرغم من ظهور عدد كبير من التكتلات الاقتصادية في العالم ترقى الى مستوى الأسواق المشتركة لم تقبل المنظمة سوى الاتحاد الأوروبي الذي يمثل 27 بلدا. وعلى هذا الاساس لن تتم الموافقة على عضوية الاتحاد الجمركي العربي في حالة قيامه نظرا للاختلاف الكبير بين السياسات الاقتصادية والمالية للأقطار العربية. ومن ثم فإنّ الاتحاد الجمركي العربي يجب ان يقترن بسياسات اقتصادية ومالية ونقدية موحدة وبأهداف مستقبلية واضحة مثل تلك التي ارتضتها بلدان الاتحاد الأوروبي عند موافقتها على قيام السوق الموحدة في أوائل التسعينات.

 

ويستمد الاتحاد الجمركي مصداقيته من منطقة التبادل الحر، فكلما كانت درجة تنفيذ الالتزامات في اطار المنطقة عالية يصبح الاتحاد متينا، وكلما اتسعت اصناف التجارة في المنطقة يصبح الاتحاد فعالا، وعلى الصعيد العملي لا تزال القيود الكمية تعرقل تنمية المبادلات العربية البينية، كما يقتصر البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى على المبادلات السلعية. لا شك في أن تجارة الخدمات ضعيفة مقارنة بتجارة السلع لكن هذا الضعف لا يفسر عدم سريان التحرير التجاري على الخدمات. وهناك عوامل اقتصادية وسياسية تحول دون ذلك فمن السهل الغاء الرسوم الجمركية المفروضة على الملابس الجاهزة والمواد الغذائية، ولكن من الصعب تقليص القيود الكمية على الاتصالات والعمليات المصرفية ويلاحظ ان تقييد تجارة الخدمات لا يقتصر على المبادلات البينية بل يشمل ايضا المبادلات الخارجية، اذ لم تلتزم غالبية البلدان العربية الأعضاء في منطقة التجارة العالمية بالاتفاق المتعدد الأطراف الخاص بالخدمات الا في بعض المجالات كالسياحة والاتصالات والخدمات المالية. وكما هو الحال في منطقة التجارة الحرة يتعين أن يسهل الاتحاد الجمركي المبادلات التجارية بين البلدان الأعضاء وألا يقود الى وضع عراقيل أمام تجارة البلدان غير الأعضاء. ولكن على خلاف منطقة التجارة الحرة يستوجب الاتحاد الاتفاق على جدول جمركي موحد يسري على سلع البلدان غير الأعضاء. ترى كيف يمكن التوصل الى هذا الجدول الموحد بحيث لا يتضرر الغير؟ في أغلب الأحيان يصعب التوفيق بين هذين الأمرين نظرا للاختلاف الكبير في الأسعار الجمركية العربية، فالأسعار المفروضة على استيراد السلع تتراوح بين?10 و?50 وتصل احيانا الى أكثر من ذلك وتوحيد الجداول (لكل سلعة سعر خاص موحد) يفترض بالضرورة الإعتماد على الجداول الوطنية السائدة قبل تأسيس الاتحاد ثم تتولى لجنة متخصصة تحديد متوسط الأسعار، والمتوسط هو الجدول الموحد، وينجم هذا التحديد عن دراسات اقتصادية ومالية معمقة وعن التوفيق بين المصالح المتعارضة.

 

ولكن في جميع الحالات تقريبا يفضي الجدول الموحد الى تقليص الرسوم الجمركية للبلدان التي كانت تطبق رسوما منخفضة. في الحالة الاولى لا توجد مشكلة على صعيد تنظيم المبادلات العالمية الذي يسعى الى تخفيف الرسوم الجمركية والى إلغائها، وترتبط المشكلة فقط بمالية البلد المعني ومدى استعداده للتنازل عن بعض ايراداته العامة لصالح الاتحاد. أما الحالة الثانية فتثير بعض المشاكل ان كان البلد الذي رفع رسومه الجمركية منتمي الى منظمة التجارة العالمية، لأنه التزم بموجب الاتفاقات المتعددة الاطراف بوضع حد أعلى لرسومه الجمركية لا يجوز تجاوزه الا في نطاق سياسة مكافحة الإغراق أو التدابير الوقائية وتحت شروط محددة. وبطبيعة الحال لا علاقة للانضمام الى الاتحاد الجمركي بهذه السياسة والتدابير. وعلى هذا الاساس يقود الاتحاد الى الإضرار بمصالح البلدان غير الاعضاء فيه، الامر الذي يربك العلاقات التجارية ان كانت هذه البلدان منتمية الى منظمة التجارة العالمية، لذلك ينبغي الدخول بمفاوضات مع البلدان المتضررة بهدف ايجاد الحلول المناسبة التي تفضي الى ما يسمى بالاجراءات التعويضية، وتتمثل هذه الاجراءات بمنح امتيازات تجارية أو مالية جديدة للبلدان المتضررة تتعلق بالاستثمارات مثلا. ويمكن لبلدان الخلية أن تتعرض لهذه المشكلة لأن معدل رسومها الجمركية أضعف بكثير من معدل الرسوم السائدة في البلدان العربية الاخرى.

 

ولا يفترض الانتقال الى الاتحاد الجمركي انضمام جميع أعضاء المنطقة الحرة بل يكفي استعداد بعض البلدان. بمعنى آخر أن الاتحاد الجمركي لا يلغي المنطقة الحرة، ومن هذا الباب يمكن للبلدان العربية الاخرى الانتماء الى المنطقة دون الاتحاد، ويتبيّن من تجربة المركوسور نجاح هذه الفكرة، ففي عام 1991 وقعت البرازيل والارجنتين وأورغواي وباراغواي على معاهدة لإنشاء منطقة تجارية بينها تحولت في سنة 1995 الى اتحاد جمركي. ولم يمنع هذا التطور دخول شيلي سنة 1996 وبوليفيا سنة 1997 الى المنطقة الحرة للمركوسور مع رفضهما الانضمام الى الاتحاد.

 

 

15:13 Publié dans عربي | Lien permanent | Commentaires (0)

Les commentaires sont fermés.

 
Toute l'info avec 20minutes.fr, l'actualité en temps réel Toute l'info avec 20minutes.fr : l'actualité en temps réel | tout le sport : analyses, résultats et matchs en direct
high-tech | arts & stars : toute l'actu people | l'actu en images | La une des lecteurs : votre blog fait l'actu